كثيراً ما وقفَت "غاردينيا" أمام انعكاسِ صورتها في المرآة , و فكّرَتْ بعمق ..بعمقٍ كبيرٍ جداً , فهي تعلمُ ما في ذاتها تماماً ....
في طفولةٍ صارَت رمادية ,و أحلامٍ سوداءَ مقيّدة ..و كلماتٍ تلتهمُ أنفاسها .. و تنهكها ... كانت "غاردينيا"
هي فتاةٌ بدأ ربيعها مع بدءِ الزمن , و مع أولى الأنفاس على سطحِ الأرض , حيث تعلّمتِ الورود أنّ الندى رفيقها , و تعلّمتِ الأشجارُ معنى الفراق .. فودّعَت أوراقها ... و أدركتِ السماءُ كيف تستقبلُ الأرواح .. و أدركتِ الأرضُ كيف تستقبلُ أجسادها ...!
"غاردينيا" من أجمل الفتيات , عقدت اتفاقاً مع الشمس و أشعتها .. فغدوا أصدقاء .. كما عكست على وجهها لونها المميز و جعلت من إشراقهما واحداً .....و أيضاً ..كانت رفيقة الرياح , فتنثر بعضاً من شعرها الطويل ... و تضحكان ..... و في عينيها .. خبّأ الربيع أروع ألوانه أسراراً تتوق إلى إدراكها ...
لطالما نُسِجَت حولها الأقاويل و القصص .. و الأكاذيب و الحكايات الطويلة , فحكايةٌ مُلَفّقة ... و حكايةٌ أُخرى ... مُلَفّقة ..! لكنها لم تعرف يوماً البكاء ..و لم تعلم أنّ الدموع حارقة ..تحفر طريقها أخاديداً مع السنواتِ و تَمضي ... فابتسامتها كانت دوماً تُسعد الطيور حتى تتسامر ليلاً و تنسى أعشاشها الدافئة .. و توقظ القمر فيحييها و يبدأ حفلته مع النجوم , تتراقص هنا و هناك ....
لن تستطيع أن تصفها بالطفولة ... كانت أنثى .. كانت بعيدةً كلّ البعدِ عن سذاجة الخامسة و السادسة من العمر .. و بعيدةً كلّ البعدِ عن تهوّر و طيش الخامسة عشر .. أو حتى السادسة عشر من العمر .... بل ما في داخلها نضجٌ و وعي .. عِلمٌ و فهمٌ تامٌّ لكلّ ما في الحياة من صوابٍ و خطأ ... و إدراكٌ كاملٌ للغة الإيحاء .. و تلك الحروف المتعّثرة التي تحاول العيون نقلها عبثاً ....
(( كثيراً ما تُفتِّتُ العيون أجسادنا .. و كثيراً ما تكون جشعة .. فتقضي على نفوسنا , تنقضُّ على الحياة المتلبّسة برداءٍ بشريّ ..فتحيط بها في إحدى زوايا الطرقات .. أو حديقةٍ صغيرة .. أو قصرٍ كبير .. أو أحد السجون الغربية .. أو حتى أحد تلك القبور .. "الملكية" .. ولا تهتم ... فذرات التراب تتلهف لاستقبالنا بكبريائنا و خنوعنا ...))
إلّا أنّ "غاردينيا" حاولَتْ أن تقاوم كلّ شيء .. و أن ترفض جميع الإغراءات المرصوفة على بابها الخشبي , أو أن تقودها أحاسيسها و مشاعرها المكنونة إلى حيث لا تدري .. تلك التي علموها إياها ... و اختفوا .. حاولَتْ أن تحافظ على خجلها و حيائها فلا تسمح لبضع كلماتٍ أن تهزّها .. و مع ذلك , فإنّ الأنثى , كطبيعةٍ سرمدية ... , في أغوارها دوماً نسيجٌ من العواطف المتشابكة بدقةٍ متناهية , شفافيةٌ إلى حدّ الذوبان تحت الشمس ..!
فأنّى لها أن تكون بجمودِ الصخور و هي من أرقى و أرقّ المخلوقات ..؟!
لطالما حاولَتْ أن تعرف أفكار الآخرين .. أو أن تبتسم بلطف ... عندما يأتيها أحدهم بقسوةٍ ... و يودّعها , لأنها فتاةٌ قوية تعرف ما سببته لغيرها قبلاً .. و تأسف لأولئك الذين لوّحت لهم بزهو ...ثم جلست بكآبة , فإرادتها أضعف مما تخيَّلَتْ ..خذلتها عدة مراتٍ و لم تتعلّم ألّا تثق بها مجدداً , فقد اعتقدت أنّ كل ذاك الانحدار الذي عانته سيعلّمها كيف تصعد أكثر نحو القمة , لأنها نسيت حقيقتها و أصلها .. حقيقة تكوينها و أصل نفسها .... فكيف لها أن تقاوم .. و أن تهرب من الأرض إلى الجنة ..؟!
وقفَتْ أمام مياه البحر اللازوردي و همسَتْ :
" تحاربني ذاتي .. و إنسانيتي .. و رغباتي و أهوائي ..أخطائي الكثيرة و هواجسي ...
إنك يا بحر عميقٌ كما أفكارنا و تاريخنا ... هائجٌ كما نفوسنا .. واسعٌ كما آثامنا ... و صامتٌ كما صمودنا و إرادةٍ مقتولةٍ فينا ..و مع أمواجك زَبَدُ غرورنا و عشقنا ....."
رفعت كأس النبيذ الأحمر و ارتشفت منه أحلامها ..
أحست بلمسةٍ باردةٍ في عنقها ... فابتسمتْ ....و مشيا معاً على الرمال حاملةً معها أشلاءً لما تبقى من طهرها و عنفوانها .. و فتافيت طفلةٍ نقية .. و صورةً لقلبها الأزرق ...
ربما غلبها لون البحر المرتسم في عينيه ...
و لربما تدفّقتْ من كفّها مشاعرٌ ملائكية ..وكان ذلك الشاب آخر من وصلته مشاعرها الغضة ..!
طبعا هادي مو إلي هادي كتبتها صديقة عزيزة على قلبي ....
فأحضرتها لكم لكي تقرؤها وتعطوني رأيكم فيها .....
وانشاء الله تعجبكم ...
مع تحياتي ............
\\\ عاشق الحب والحرية \\\